محاضرات

إنتفاضة المدينة المنورة

إنتفاضة المدينة المنورة

لقد كانت المدينة المنورة تعيش مأساةً حقيقية بعد مجزرة الطف مما دفع بهم إلى نزع الخوف من قلوبهم ومواجهة السلطان الجائر، وهذه الروح الجريئة لم تنبع من حاق أنفسهم بل بقدرة الإمام السجاد وعمته الحوراء زينب وبعض من شاهد تلك المجزرة بعينه من النساء والأطفال الذين كانوا مصدر تلك الحركة التصحيحية التي انطلقت من المدينة المنورة، حيث لم يكفوا عن بيان ما حدث في العاشر من شهر محرم تارة بالكلام وأخرى بالسلوك والفعل كما كان يصنع إمامنا علي بن الحسين(ع) الذي نقل عنه الرواة بأنه عاش بعد المجزرة حزيناً باكياً حتى لنتقل إلى جوار ربه، فلم يُقدَّم له طعام أو شراب إلا وبلّله بدموع عينيه، وقد تأثر بتلك الحالة الصديق والعدو والقريب والبعيد، وكان(ع) إذا مرّ بسوق القصابين يسألهم إذا كانوا يسقون ذبيحتهم قبل ذبحها ثم يقول لهم وهو يبكي: لقد ذُبح أبو عبد الله عطشاناً: وكان يبكي أهل السوق لبكائه.

وقد ورد عن الإمام الصادق(ع) أن بعض الأشخاص قال للإمام السجاد عندما كان يرى تلك الحالة التي كان عليها بعد استشهاد أبيه، كان يقول له: إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين، فيقول له الإمام:كيف لا أبكي وقد نظرت إلى أبي وأخي وعمي وبني عمومتي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي مجزرين كالأضاحي: وقد ورد عن الإمام الصادق(ع) إن جدي علي بن الحسين بكى على أبيه طيلة حياته وكان إذا قُدم له طعامه وشرابه ووُضع بين يديه لا يزال يبكي حتى يبتل طعامه من دموع عينيه:

وهذا السلوك كان له الأثر الكبير على نفسيات الآخرين الذين شعروا بحجم المأساة التي عاشها آل الرسول قُبيل المعركة وبعدها، كما كان له الأثر الأكبر على إظهار الحقيقة التي كانت مخفية على كثير من الناس.

وقد روى المؤرخون بأن الرباب إحدى زوجات الحسين(ع) لما رجعت إلى المدينة ودخلت بيتها أمرت بقلع سقفه لتجلس تحت حرارة الشمس، وعندما يقال لها قومي إلى الداخل تصيح باكية لقد رأيت الحسين بعيني تصهره حرارة الشمس، وهذا أحد النماذج التي ألهبت شعور أهل المدينة وأحدثت ضجة كبيرة في المدينة مما جعل واليها عمرو بن سعيد الأشدق يشعر بحجم الأخطار التي باتت تتهدده من خلال وقع تلك الأحداث المريرة التي جرت على آل الرسول، وقد ورد بأن والي يزيد على المدينة كتب إلى يزيد: إن زينب بنت علي وأخواتِها قد هيّجن عليك الرأي العام، والمدينةُ سائرة إلى الثورة لا محالة ما دامت فيها، فأمره يزيد بأن يخرجها من الحجاز ويفرق بينها وبين الناس، فعرض عليها الوالي أمر أميره يزيد فقالت(ع):لقد كنا نساق كما تساق الأنعام عندما قُتل خيارنا وحملنا على الأقتاب من بلد إلى بلد فوالله لا أخرج من حرم جدي، فجاءتها زينب بنت عقيل وقالت لها: يابنة عماه لقد صدَقَنا الله وعده وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث نشاء فطيبي نفساً وقري عيناً وسيجزي الله الظالمين بما اقترفت أيديهم أتريدين بعد هذا هواناً إرحلي إلى بلد آمن ثم اجتمع إليها نساء بني هاشم فما زلن بها حتى اختارت مصر، ولا أريد أن أعلق الآن على مكان دفنها وكيف أنها جاءت من مصر إلى دمشق أو أنها توفيت في مصر فهذا بحث آخر، المهم أنها(ع) خرجت من المدينة وبقيت الأمور تتفاعل وتتصاعد حيث أصبح الحديث عن مجزرة كربلاء الشغل الشاغل لأهل المدينة، وبسببه ازدادت نقمة الناس على يزيد الذي اصبح في وضع حرج لا يُحسد عليه، وقد أحس المسلمون بالمسؤولية لتخاذلهم عن نصرة إمامهم وتلبية ندائه للجهاد، فكانوا كلما تذكروا هذا الخذلان ازدادت مشاعر الحقد على بني أمية فراحوا يفكرون بالقائد البديل فلم يجدوا أمامهم سوى عبد الله ابن الزبير المخادع الأول الذي اعتصم في بيت الله الحرام ليتصف بالصبغة الدينية التي تخوّله في نظر الناس إلى استلام زمام الأمور وتولي منصب الخلافة، وقد استعمل هذا المخادع دم الإمام الحسين كوسيلة للوصول إلى هدفه الدنيوي الطامع، ولقد عبّر أهل المدينة عن شعورهم تجاه يزيد بإعلان العصيان والتمرد ورفضهم لتلك البيعة التي فرضها عليهم معاوية بالمال والسلاح عندما سلّم ولده زمام الأمور، فلقد كان هذا الحكم المتسلط والظالم والمتغطرس سبباً لحصول انتفاضات كثيرة، وقد أججت نيرانَها مجزرةُ كربلاء، فقام أهل المدينة بانتفاضة لم تأخذ طابعاً شيعياً وإن كان سببها قتل الإمام الحسين(ع) حيث شغلتهم بشاعة تلك المجزرة عن التفكير في المذهبية والمعتقد.

فلقد أدرك يزيد خطورة الموقف وأراد أن يتنصل من تلك الجريمة فراح يغير سياسته وطريقته في التعامل مع الرعية ويُظهر لهم الرفق واللين ليُثبت لهم عكس ما يعرفون عنه من الإجرام والظلم، ولكن هذه اللعبة في هذه المرة لم تمر على الناس بفضل الوعي الذي زرعه الإمام السجاد وعمته زينب في عقول الناس فبقيت صورة يزيد في عقولهم على حالها، بقيت تلك الصورة البشعة والملوثة بالدماء البريئة بل الدماء الطاهرة والأنفس الزكية.

لقد أخاف الحسين(ع) يزيداً مرتين، مرة في حياته ومرة بعد استشهاده ولكن خوفه من الحسين بعد استشهاده كان أعظم من خوفه في حياته لأنه في حياة الحسين كانت الدعايات اليزيدية ذات أثر على قلوب الناس ونفوسهم ولكن بعد أن ارتكب يزيد تلك الجريمة النكراء لم يعد لتلك الدعايات أي أثر أو أي مفعول حيث أبطل استشهاد الحسين مفعولها فلم يعد الناس يصدقون شيئاً مما يصدر عن الجهة الأموية لأن أمرهم قد فُضح على رؤوس الأشهاد.

فالإمام الحسين في حياته لم يقصد إرعاب يزيد بل يزيد هو الذي كان يشعر بالرعب من وجود الحسين لكونه الخليفة الشرعي ولكون الجميع يعرفون بأن ابن معاوية مغتصب للخلافة وهي لا تصلح له لأنه فاقد للأهلية وللعقل ولجميع الصفات الإنسانية فهو لا يصلح أن يكون قائد نفسه حتى يكون قائداً للأمة، هو إمام يدعو إلى النار والحسينu يدعو إلى الجنة، وقد كان مصدر خوف يزيد من الحسين هو معرفته بشأن الإمام الحسين ووزنه في الوسط الإسلامي بل في غيره من المجتمعات التي كانت تعرف رسول الله وخلفاءه الحق الشرعيين.

وهذا الخوف لم يصب يزيداً فقط وإنما أصاب كل ظالم مغتصب للحق، ولأجل ذلك نلاحظ بأن جميع أئمتنا سلام الله عليهم قُتلوا على أيدي الحكام الظالمين بسبب خوف الحكام من أوضاعهم الدينية والإجتماعية والسياسية والشعبية حيث امتلك الأئمة قلوب الناس من دون تخويف وترهيب وإغراء بالمال والسلطة وغيرهما من وسائل الإغراء التي كان يستعملها بنوأ أمية وبنوا مروان وبنوا العباس من بعدهم.

وهذا التغيير المفاجئ الذي ظهر من يزيد لم يقف عنده فقط بل غيّر في نظام إدارته وحكمه فعزل بعض ولاته ونصّب مكانهم أشخاصاً لم يكونوا ذوي شهرة بالظلم وأمرهم بالإحسان إلى الناس كما فعل بواليه على المدينة الوليد بن عتبة حيث عزله عن المدينة وولى عليها عثمان بن محمد بن أبي سفيان وقد أراد هذا الوالي الجديد أن يقوم بشيء يغير به صورة يزيد ويصوره للناس بعكس ما يظنون فجمع زعماء المدينة وأشرافها وكوّن منهم وفداً كبيراً وأرسلهم إلى الشام لينزلوا في ضيافة الأمير يزيد ويروا بأعينهم تعامله الرفيق مع أهل رعيته ويرجعوا إلى أهل المدينة بالخبر اليقين فسافر الوفد إلى الشام وبقي أهل المدينة ينتظرون رجوع الوفد بفارغ الصبر.

فعندما عزل يزيد واليه على المدينة الوليد بن عتبة وعيّن مكانه عثمان بن محمد بن أبي سفيان حاول هذا الأخير أن يقوم بشيء يُرضي الأمير ويدخل السرور والإطمئنان إلى قلبه، فكوّن وفداً كبيراً من أعيان المدينة وزعمائها وأشرافها وأرسلهم إلى أميره يزيد ليلمسوا الحفاوة عنده والإكرام علهم يخففون من نقمتهم عليه ويحاولون أن يقنعوا أهل المدينة ببراءته من دم الإمام الحسين(ع) وبهذه الطريقة يتخلون عن دعوة عبد الله ابن الزبير ويستقر يزيد على كرسي عرشه القائم على الدماء والكرامات فسار الوفد المؤلف من أشراف المدينة يترأسهم عبد الله ابن حنظلة والمنذر بن الزبير وبقي أهل المدينة ينتظرون رجوع الوفد بفارغ الصبر ليعرفوا النتيجة والحقيقة، وعندما حط الوفد رحاله في قصر الخضراء بالغ يزيد في إكرامهم وعطائهم واحترامهم حيث أبدى لهم كل رفق ولين وشفقة وتكريم وقد أعطاهم الأموال الكثيرة ليموّه مسؤوليته عن تلك الجريمة التي قصمت ظهور المسلمين، حيث ظن بأن الوفد سوف يرجع إلى المدينة وهو يحمل روحية تختلف عن الروحية التي أتى بها، فإذا استطاع يزيد أن يقنع أفراد هذا الوفد بعدم مسؤوليته عن مجزرة كربلاء فقد استطاع أن يسيطر على الموقف، ولكن ظنه لم يكن في محله فلقد طاشت سهامه وخابت ظنونه لأنه لم يحصل من أفراد الوفد إلا على السباب والشتائم والتوبيخ والتأنيب والغضب فلقد عاد الوفد إلى المدينة وقالوا لأهلها: لقد وفدنا على رجل لا يعرف الدين ولا الإسلام يشرب الخمور ويتعاطى جميع أنواع الفجور ويسامر الغلمان وينكح البنات والأخوات وإنا نُشهدكم بأنّا قد خلعناه فاخلعوه: وقال عبد الله بن حنظلة: والله لو لم يكن معي أحد لقاتلته بنفسي ولدي ومن معي من أهلي: ثم اجتمع عليه أهل المدينة يبايعونه على قتال يزيد، وقد علم يزيد بهذا الخبر وأيقن بأن طريقته الخداعية التي استعملها مع وفد أشراف المدينة لم تنفعه بشيء ولم تستر عليه جرائمه اشتد به الغضب واشتعلت بداخله نيران الشر وعاد إلى طريقته الأولى ثم أرسل إلى المدينة النعمان بن بشير ليحذرهم من عاقبة موقفهم ضد حكمه ويخوفهم من سطوته فأتى إلى المدينة ثم عاد فاشلاً لم يستطع أن يغير في موقفهم شيئاً وقد أطلع أميره على ما جرى بينه وبين أهل المدينة الذين أعلنوا رفضهم القاطع لحكم يزيد وأصروا على قتاله، وقد بدأ أهل المدينة بالتحرك الفعلي والإنتفاضة الغاضبة فهجموا على دور الأمويين وأنصارهم فهربت نساؤهم وأطفالهم إلى بيوت العلويين بهدف الإحتماء بهم وبالخصوص دار الإمام زين العابدينu فعاملوهم برفق ولين وقد قالت نساء الأمويين بعد ذلك: والله لم نجد مع أهلنا وفي بيوتنا معاملة كالتي وجدناها من الإمام زين العابدين وبقية العلويين، وقد استغاث الأمويون بيزيد بن معاوية فانتدب عمرو بن سعيد الأشدق ليرسله على رأس جيش كبير ليؤدب به أهل المدينة فاعتذر عمرو عن ذلك فأرسل مسلم بن عقبة على رأس جيش تجاوز عدده خمسة وعشرين ألف مقاتل لينتقم من أهل الصلاح ويلقنهم درساً قاسياً ويخوّف كل من يريد الوقوف في وجهه، وقد أوصى قائدَ جيشه بأن يسرف في قتال أهل المدينة والفتك بهم وإباحة المدينة لجيشه مدة ثلاثة أيام إن استطاع التغلب على أهلها، ثم أمره بعد الإنتهاء من غزو المدينة أن يغزو مكة ويجبر أهلها على بيعته وعلى أن يكونوا عبيداً له ولأسرته، وسار مسلم بن عقبة بالجيش متوجهاً نحو المدينة التي حفر أهلها خندقاً لاتقاء جيش الشام كما فعل النبي(ص)في معركة الأحزاب، ولما وصل جيش يزيد إلى مشارف المدينة أشار عبد الملك على الغزاة أن ينزلوا من الجهة الشرقية منها في مكان يدعى الحرة فدخلوا المدينة من تلك الجهة ودارت بين الطرفين معركة دامية انتهت بانتصار جيش يزيد لعدم تكافؤ القوتين إذ أن جيش يزيد بلغ ثلاثين ألفاً ولم يتجاوز عدد المقاتلين من أهل المدينة الألفين، فلقد دخل الجيش الظالم مدينة رسول الله وقتلوا من أصحاب الرسول أكثر من ثمانين شخصاً ثم اعتدوا على الأطفال فقتلوا سبعمئة طفل من أولاد المهاجرين والأنصار وأكثر من عشرة آلاف شخص من أهل المدينة، ثم أبيحت نساؤها لجيش يزيد فكان الرجل منهم يصنع بأية امراة أو فتاة ما يريد من دون أن يمنعه أحد، ويذكر كثير من المؤرخين بأن المرأة من أهل المدينة كانت تلوذ بمحراب رسول الله فكان الرجل منهم يدخل إلى المسجد ويغتصب المرأة بداخله من دون أن يراعي أية حرمة لتلك البقعة المقدسة والمكان المبارك، وقد ذكر المؤرخون بأن شامياً دخل على امرأة من الأنصار حديثة عهد بالولادة وهي تحتضن طفلها الذي لم يتجاوز عمره خمسة عشر يوماً فلم يجد في بيتها شيئاً فطلب منها مالاً فقالت له والله ما ترك لنا القوم شيئاً فجذب الطفل من على ثديها وضرب به الحائط فتناثر لحم الطفل ودماغُه في أنحاء البيت، بهذه الطريقة تعاطى يزيد مع كل من أنكر جرائمه وبهذه الطريقة اعتلى الأمويون سدة الحكم حيث لا علم عندهم ولا حلم ولا إيمان ولا رحمة ولا شفقة ولا صفات حسنة يجذبون بها الناس ليس عندهم سوى ما يرضي الشيطان الرجيم، ويذكر أبن كثير واليعقوبي وغيرهما بأن ألف إمرأة أولدت في تلك السنة من غير أزواج، ثم بعد أن فعل بهم قائد الجيش ما فعل أمرهم بالبيعة ليزيد وأنهم عبيد له ولأسرته وأنهم لا يملكون من أمرهم شيئاً وكل من يمتنع عن البيعة له كان عقابه الموت، ولم يكن ذلك سوى انتقام أبداه يزيد ضد محمد وآلهوالذين قتلهم يزيد وعذبهم هم مسلمون آمنوا بالله ورسوله ونصروا الرسول ولأنهم كذلك فقد عاقبهم كرهاً منه لله ورسوله والإسلام.

وبعد أن رفض أهل المدينة مبايعة يزيد اشتد غضبه عليهم وأرسل جيشه إليهم فقتلوا منهم الآلاف من الرجال والأولاد واستباحوا النساء ونهبوا كل شيء من دون أن يراعوا أية حرمة من الحرمات حتى حرمة قبر النبي ومسجده وأذلوا الجميع شر ذل حتى أصحاب رسول الله منهم، بعد ذلك زادت نقمة الناس عليه واشتد كرههم له ونبذهم لسلوكه السيء في التعاطي مع أفراد رعيته، فبعد أن أنهى قائد الجيش اليزيدي مهمته في المدينة المنورة خرج منها بجيشه قاصداً مكة المكرمة ليفعل بها وبأهلها ما فعله بالمدينة وأهلها بناءاً لأوامر يزيد بن معاوية، فقد خرج مسلم بن عقبة قائد الجيش اليزيدي من المدينة متوجهاً نحو مكة لقتال عبد الله ابن الزبير ومن التف حوله من المكيين ساءت حالته الصحية فاستدعى الحصين بن نمير وولاه أمر الجيش وأوصاه بتنفيذ أوامر يزيد وخصوصاً قتال ابن الزبير وإذلال أهل مكة وبعد ذلك مات ودفنه بن النمير في مكانه، فجاءت إحدى النساء ونبشت قبره وصلبته في ذلك المكان واجتمع عليه الناس يرجمونه بالحجارة فعلم الحصين بن النمير بذلك فرجع وواراه في قبره وقتل جماعة ممن رجموه كما يذكر اليعقوبي في تاريخه.

وعندما أشرف بن نمير بجيشه على مكة استعد ابن الزبير لمقاومته ودارت بين الطرفين معركة قوية وراح جيش الشام يرمي الكعبة المشرفة بالنيران حتى أحرقوها وانهدمت ولم يبق لها أثر وكان عبد الله بن عمير الليثي ينادي بأهل الشام ويقول: يا أهل الشام هذا حرم الله الذي كان مأمناً في الجاهلية يأمن فيه الطير والصيد فاتقوا الله في حرمته: ولكنهم لم يأبهوا بهذا الكلام حيث سقطت في نظرهم جميع المحرمات والقيم والعادات والتقاليد.

يقول المسعودي في مروج الذهب: إن الحصين بن نمير ومن معه من أهل الشام نصبوا المناجيق على مكة والمسجد من الجبال والفجاج …فانهالت أحجار المنجنيق والنيران والنفط وغيره من المحرقات على الكعبة وما زالوا يقذفونها حتى تهدمت واحترقت:

وقد حصل هذا الأمر سنة ثلاث وستين للهجرة قبل موت يزيد بن معاوية بأيام، وفي هذا قال أبو حرة المديني:  ابن نمير بئس ما تولى         قد أحرق المقام والمصلى

وبعد أيام من هذا الإعتداء الشنيع على المدينة ومكة هلك يزيد بن معاوية في موضع من الشام، وعندما انتهى خبر موته إلى الجيش وقائده الحصين الذي حاول أن يخفي نبأ موته على الجيش خوفاً من الفتور غير أن انتشار الخبر كان أسرع من إخفائه وأقوى حيث علم الجميع بموت يزيد وهلاكه، وما أن انتشر خبر موته بين الجيش حتى دبت فيه الفوضى، فرأى الحصين بن نمير أن يرجع إلى الشام لينظر في أمر الخلافة فطلب من عبد الله بن الزبير أن يذهب معه إلى الشام ووعده بأن يبايعه فرفض ابن الزبير ترك مكة بل بقي معتصماً فيها.

وقد بايعته كثير من الأمصار، أما أهل الشام فقد بايعوا معاوية بن يزيد وكان شاباً يافعاً لم يبلغ العشرين من العمر، وبعد أيام قليلة من مبايعته صعد المنبر وخطب في الناس وقال لهم:لقد نازع جدي معاوية من هو أولى منه بالخلافة وأحق بها لقرابته من رسول الله وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته وصار رهيناً في قبره بذنوبه وأسيراً لأخطائه وجرائمه وقبل أن يرحل عن هذه الدنيا قلّد الأمرَ أبي فصار أسيراً بجرمه وذنوبه وإن من أعظم الأمور علينا سوء مصرعه وقبح منقلبه وقد قَتل عترة الرسول وأباح مدينته وهدم الكعبة، ثم قال: لقد وُلّيتُ وتقلدت أمراً ليس لي فإن أحببتم تركتها لرجل قوي … وإن شئتم تركتها بينكم شورى، وقد أصر على موقفه رغم إصرار أهله عليه بتولي هذا المنصب، فظنوا بأن شخصاً إسمه عمر هو الذي حرضه على ذلك فدفنوه حياً.

لقد بقي معاوية بن يزيد بن معاوية مصراً على موقفه رغم إصرار الناس عليه، وكان رده الأخير عليهم: إن الدنيا لو كانت مغنماً فقد لقينا منها حظاً وافراً وإن لم تكن كذلك فحسب آل أبي سفيان منها ما أصابوا، ثم دخل منزله ولم يخرج منه إلى أن مات وقد مات بعد موت أبيه يزيد بأربعين يوماً وقيل بأربعة أشهر.

وهذا الموقف أتاح الفرصة أمام ابن الزبير أكثر حيث اتسعت دعوته في مختلف الأمصار، وقد انتهى الأمر باستيلاء مروان ابن الحكم عليها ولم يكن له في ماضيه وحاضره ما يجعله مقرباً من المسلمين فأبوه لأنه كان طريد رسول الله ولعينَه وقد كانت مواقفه تجاه الإسلام والمسلمين سلبياً فلم يقبل به أحد سوى الزمرة التي كانت على شاكلته، لقد كان مروان بن الحكم إنساناً مجرماً وداهية كبرى فلقد كان له مواقف سلبية تجاه أمير المؤمنينu وكذلك فقد رأى الناس بأن بيعتهم لابن الحكم هي استمرار للعهد الأموي وهو العهد الأسود والأسوأ على المسلمين منذ ظهور الإسلام، إذاً كان هناك شخصان متصديين للحكم، عبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، وكلاهما سيء ولكن الناس كانوا يرون بأن مبايعة ابن الزبير أهون الشرين حيث كانت مواقفهما سيئة عبر تاريخهما الحافل بالمواقف الذليلة تجاه أهل الحق.

وفي تلك الفترة توالت الأحداث وتراكمت الإضطرابات فمات معاوية الثاني تاركاً الدولة مضطربة ومفككة تتجاذبها الأطماع من جميع الجهات، فالعلويون يريدونها للعلويين، وأكثر المسلمين في الحجاز والبصرة يريدونها لابن الزبير وقد بايعوه ولم يبق إلى جانب الأمويين سوى الشام وبعض المناطق القريبة منها، وقد انقسم الأمويون قسمين: قسم أرادها لخالد بن يزيد وقسم أرادها لمروان بن الحكم، وقد أدى هذا الإنقسام بين الأمويين إلى أن يبايع بعضهم عبدَ الله بن الزبير، وقد كان الرابح الأكبر من تلك الإضطرابات والإنقسامات هو ابن الزبير الذي بايعه أكثر المسلمين، منهم من كان يرى فيه صفات الحاكم ومنهم من كان يعلم جوهره الخبيث وإنما بايعه من أجل أن يتخلص من الحكم الأموي كما فعل بعض الهاشميين.

 

 

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى